لن تكون مواجهة إنجلترا وبنما في الجولة الأخيرة من دور المجموعات بكأس العالم 2026 مجرد مباراة لتحديد مصير المنتخبين، بل تحمل خلفها قصصًا إنسانية استثنائية لنجوم منتخب بنما، الذين وصلوا إلى أكبر مسرح كروي في العالم بعد سنوات من المعاناة والفقر والتضحيات.
وبين لاعب نشأ في أحد أخطر الأحياء، وآخر خاطر بالاعتقال لتحقيق حلمه في الاحتراف الأوروبي، يدخل المنتخب البنمي المباراة وهو يحمل قصة مختلفة عن معظم المنتخبات المشاركة في البطولة.
من حي الجريمة إلى قيادة منتخب بلاده
يعد المدافع المخضرم إريك ديفيس أحد أبرز الوجوه في منتخب بنما، لكن رحلته نحو النجومية لم تكن سهلة على الإطلاق.
نشأ ديفيس في مدينة كولون، إحدى أكثر المناطق فقرًا وارتفاعًا في معدلات الجريمة داخل بنما، وسط ظروف معيشية صعبة أجبرت كثيرًا من أبناء المنطقة على التخلي عن أحلامهم مبكرًا.
ورغم تلك البيئة، تمسك ديفيس بكرة القدم منذ طفولته، حتى إن والدته كانت تؤكد أنه كان يبكي كلما رأى كرة قدم، في مشهد يعكس شغفه المبكر باللعبة.
وقال ديفيس إن كرة القدم كانت طريقه الوحيد لتغيير حياته ومساعدة أسرته، مؤكدًا أن نشأته في عائلة بسيطة منحته دافعًا إضافيًا لتحقيق النجاح.
بطل مصارعة أصبح نجمًا على “تيك توك”
بعيدًا عن كرة القدم، يحمل ديفيس قصة مختلفة، إذ سبق له التتويج ببطولة وطنية في المصارعة قبل أن يقرر التفرغ لكرة القدم بشكل كامل.
ولم تتوقف شهرته عند المستطيل الأخضر، إذ تحول خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أشهر لاعبي منتخب بنما على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما حققت مقاطع الرقص التي يقدمها مع زميله سيزار بلاكمان ملايين المشاهدات عبر تطبيق “تيك توك”.
ويؤكد ديفيس أن حبه للرقص يعود إلى التراث الشعبي في بلاده، مشيرًا إلى أنه يفضل رقصات الكونغو والسالسا والباشاتا، وأن ما يقدمه عبر مواقع التواصل يعكس شخصيته الطبيعية بعيدًا عن ضغوط المباريات.
كوينتيرو.. احتراف غير قانوني خوفًا من ضياع الحلم
أما المهاجم المخضرم ألبرتو كوينتيرو، فيملك واحدة من أغرب قصص الاحتراف في كرة القدم.
فبعد انتقاله إلى إسبانيا عام 2008 لخوض فترة معايشة مع أحد الأندية، انتهت صلاحية تأشيرته السياحية، لكنه قرر البقاء ومواصلة اللعب رغم إقامته غير القانونية، خوفًا من ضياع فرصة تحقيق حلمه بالاحتراف.
واعترف كوينتيرو بأنه كان يخشى وجود الشرطة في كل مباراة، وكان يعيش قلقًا دائمًا من القبض عليه أثناء وجوده داخل الملعب.
واستمرت تلك الأزمة حتى انتقاله إلى نادي كارتاخينا الإسباني، حيث تكفل رئيس النادي بدفع نحو 20 ألف جنيه إسترليني لتسوية وضعه القانوني، وهو ما سمح له باستكمال مسيرته الكروية بصورة رسمية.
عامان بعيدًا عن أسرته
ولم تتوقف معاناة كوينتيرو عند أزمة الإقامة، إذ كشف أنه عاش عامين كاملين دون العودة إلى بنما أو رؤية أفراد أسرته، بسبب تعقيدات وضعه القانوني.
ورغم ذلك، أكد أنه لم يفكر يومًا في الاستسلام، معتبرًا أن التضحية كانت الثمن الذي دفعه من أجل أن يصبح لاعب كرة قدم محترفًا.
حلم جديد أمام إنجلترا
يمتلك كوينتيرو 141 مباراة دولية مع منتخب بنما، بينما يخوض ديفيس مشاركته الثانية في كأس العالم، بعدما سبق له مواجهة المنتخب الإنجليزي في مونديال روسيا 2018.
ويؤكد اللاعبان أن المنتخب البنمي أصبح أكثر نضجًا وخبرة مقارنة بالمشاركة السابقة، وأن الفريق سيقاتل لتحقيق نتيجة إيجابية أمام إنجلترا، رغم صعوبة المهمة أمام أحد أبرز المرشحين للمنافسة على اللقب.
بنما تلعب بالحلم قبل الحسابات
ورغم أن منتخب بنما فقد فرصه في التأهل إلى دور الـ32، فإن المباراة تمثل فرصة لإثبات تطور الكرة البنمية أمام العالم.
فبالنسبة للاعبين الذين خرجوا من الفقر، وتحدوا الجريمة، وتجاوزوا الأزمات القانونية، فإن مجرد الوقوف أمام نجوم إنجلترا في كأس العالم يعد انتصارًا جديدًا في رحلة طويلة من الكفاح، بينما يبقى الأمل قائمًا في كتابة مفاجأة جديدة تضاف إلى واحدة من أكثر القصص الإنسانية إلهامًا في مونديال 2026.




💬 التعليقات